شبكة أصدقاء الصين الإشتراكية/
من اعداد: شهاب كريكش مؤسس شبكة أصدقاء الصين الاشتراكية.
في 11 ماي 2016، أي قبل نحو عقد من الزمن، قام الملك محمد السادس بزيارة إلى بكين. لم تكن هذه الزيارة الأولى في تاريخ البلدين، لكنها شكّلت منعطفًا حاسمًا؛ إذ حمل جلالته رؤية واضحة: أن المغرب لا يسعى إلى علاقات عابرة، بل يبني شراكة قارة تُسهم في تحديث الاقتصاد الوطني وتوسيع آفاق الأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق، تم التوقيع على إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهي لحظة فارقة نقلت العلاقات من تعاون قطاعي مشتت إلى إطار واحد متماسك، نرصد ثماره اليوم في 2026.
جذور تاريخية عميقة وأسس سياسية متينة:
لكن هذه الشراكة لم تنطلق من فراغ؛ فهي تستند إلى إرث تاريخي متين يمتد لقرون. منذ القرن الرابع عشر، دوّن الرحالة المغربي ابن بطوطة في كتابه “تحفة النظار” مشاهداته الدقيقة عن الصين، بعد أن زارها وعاش بين أهلها، ليكون بذلك أول جسر إنساني وثقافي بين البلدين.
وعلى المستوى السياسي الحديث، يُعدّ المغرب من أوائل الدول الإفريقية والعربية التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، حيث تم تبادل العلاقات الدبلوماسية الرسمية في فاتح نونبر 1958.ولم تقف هذه الأسس عند حدود الاعتراف الدبلوماسي المبكر. فبعد عامين فقط، وتحديدًا في الرابع من أكتوبر 1960، وقف المغفور له الملك الحسن الثاني، وكان آنذاك وليًا للعهد، على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة عشرة، ليلقي خطابًا أصبح علامة فارقة في العلاقات بين البلدين. ففي خضمّ حقبة الاستقطاب الدولي، طرح سؤالًا مباشرًا وواضحًا على المجتمع الدولي، متسائلًا عن مدى عدالة أن يبقى ستمائة مليون فرد، أي ثلث سكان العالم آنذاك، دون تمثيل في المنظمة الدولية. لقد كانت دعوته العلنية والصريحة لاستعادة مقعد الصين الشرعي في الأمم المتحدة موقفًا استثنائيًا جسّد مبدأً ثابتًا في السياسة الخارجية المغربية: التمسك بالعدالة والإنصاف في العلاقات الدولية. وقد أكد الزمن صواب هذا الموقف، حين تبنّت الأمم المتحدة في عام 1971 القرار الذي أعاد الحق لأهله، ليبقى هذا الخطاب دليلاً تاريخيًا على أن الشراكة الحالية تُبنى على إرث من الشجاعة السياسية وبُعد النظر.
تطور التعاون المغربي الصيني ضمن مبادرة الحزام والطريق
ومن بين المعطيات التي تعكس عمق هذا المسار، يُعد انخراط المغرب المبكر في مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ سنة 2013 محطة مهمة في مسار التعاون الثنائي، حيث تم التوقيع على مذكرة التفاهم المتعلقة بالمبادرة سنة 2017. ويعكس هذا الانخراط توافقاً واضحاً في الرؤى حول أهمية تعزيز الترابط الاقتصادي، وتسهيل تدفق التجارة والاستثمار، ودعم تطوير البنيات التحتية باعتبارها رافعة أساسية للتنمية المشتركة.وترتبط هذه المبادرة بمفهوم “مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية”، وهو إطار استراتيجي يهدف إلى تعزيز التشاور والتنسيق بين الدول، وتوسيع مجالات التعاون العملي، ودعم التنمية المستدامة والشاملة، بما يرسخ علاقات دولية قائمة على المنفعة المتبادلة، والاحترام المتبادل، والتعايش السلمي. وفي هذا السياق، يشكل المغرب شريكاً مهماً في تفعيل هذا التوجه، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي ودوره كجسر بين إفريقيا وأوروبا.
المتابع لنهج الملك محمد السادس في السياسة الخارجية، يلاحظ أن جلالته يحرص باستمرار على تنويع الشراكات دون إقصاء لأحد، ويُؤَصِّل علاقات المغرب في مصالحه التنموية الملموسة. فتعميق التعاون مع الصين جاء في إطار رؤية ملكية متكاملة تقوم على التوازن والاحترام المتبادل، حيث يُقاس كل شريك بما يُضيفه إلى البلاد، ضمن استراتيجية أوسع تستشرق آفاق آسيا بأسرها. وهذه الرؤية هي التي منحت الشراكة الاستراتيجية مع الصين طابعًا عمليًا منذ اليوم الأول، مُحكَمة باحتياجات المواطنين في التشغيل والتكوين والنقل والطاقة.
رؤية الصين للمغرب ومبدأ عدم التدخل:
في المقابل، تنظر الصين إلى المغرب كشريك استراتيجي موثوق وذي مصداقية، يمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا واستقرارًا سياسيًا يُحسد عليه. وقد عبّر المسؤولون الصينيون في أكثر من مناسبة عن تقديرهم للإصلاحات التي قادها الملك محمد السادس، وللنموذج التنموي المغربي الذي يجمع بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على الثوابت الوطنية. كما ترى بكين في المغرب بوابة رئيسية نحو إفريقيا وأوروبا، وشريكًا يعتمد عليه في تنفيذ المشاريع الكبرى.ومن أبرز المبادئ التي تقوم عليها هذه الشراكة، مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والاحترام الكامل للسيادة الوطنية. فالصين، انطلاقًا من سياستها الخارجية الثابتة، لا تقيم علاقاتها مع الدول على أساس أيديولوجي ولا تربط تعاونها بشروط داخلية، وهو ما يتطابق تمامًا مع ثوابت المغرب الذي يدير شؤونه بيده ويرفض أي إملاءات خارجية.
وقد تم التنصيص رسميًا على هذا المبدأ في اتفاقية التعاون البرلماني الموقعة بين مجلس النواب المغربي والجمعية الوطنية لنواب الشعب الصيني سنة 2021، حيث أكد الجانبان أن احترام السيادة وعدم التدخل يمثلان دعامة أساسية لصيانة السلم والأمن الدوليين. وهذا الالتقاء في المواقف جعل الشراكة بين البلدين تنمو في مناخ من الثقة الصافية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الضغوط الخارجية.
صعود الصين كقوة ابتكار عالمية: أبعاد تكنولوجية واستراتيجية
لفهم الأبعاد الأعمق لهذه الشراكة، ينبغي استحضار مستوى التقدم التكنولوجي والصناعي الهائل الذي بلغته الصين، والذي لم يعد مجرد “لحاق بالركب” بل بات يرسخ موقعها كقوة عالمية رائدة ومبتكرة. ويتجسد هذا التحول الجذري في كون الصين أصبحت، بحلول نهاية عام 2025، أول دولة في التاريخ تجمع أكثر من 5.32 مليون براءة اختراع محلية سارية المفعول، متصدرةً بذلك طلبات البراءات الدولية لستة أعوام متتالية. هذا الرقم، الذي يعكس طفرة نوعية غير مسبوقة في البحث والتطوير، لم يعد يقتصر على الكم فحسب، بل تؤكد البيانات أن 70% من هذه البراءات، أي ما يعادل 2.29 مليون براءة، تُصنف كبراءات اختراع عالية القيمة، تتركز في قطاعات استراتيجية ناشئة كالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية.
إلى جانب ذلك، تقود الصين التحول العالمي في عدة قطاعات استراتيجية، أبرزها شبكات الجيل الخامس 5G، حيث تمتلك أكبر شبكة بنية تحتية من هذا الجيل في العالم، إضافة إلى ريادتها في صناعة السيارات الكهربائية عبر شركات مثل BYD، وفي الطائرات المسيّرة من خلال شركات مثل DJI. كما أن الصين تمتلك أكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة في العالم، وهو ما يعكس تكامل الابتكار بين التكنولوجيا والصناعة والبنية التحتية في نموذج تنموي متسارع ومتعدد الأبعاد.
الحصيلة في 2026:
وفي عام 2026، الذي يشهد مرور الذكرى العاشرة لهذه الشراكة، بدأت تتضح ثلاثة مكاسب أساسية. الأول هو المكسب الاقتصادي، حيث تدفقت استثمارات صينية مهمة إلى المغرب، وقد أكدّت السفيرة الصينية أن حجم الاستثمارات الصينية في المملكة تجاوز 10 مليارات دولار، خاصة في صناعة السيارات والطاقات المتجددة، مما خلق فرص عمل مباشرة وآلاف مناصب الشغل غير المباشرة. والثاني هو المكسب اللوجستي، إذ عزز المغرب موقعه كممر يربط بين مناطق تجارية حيوية، وهو ما يدعم مكانة المملكة كوجهة مفضلة للفاعلين الاقتصاديين. أما الثالث فهو المكسب الإنساني، حيث تطور التعاون الثقافي والأكاديمي، مما سمح للطلبة والخبراء من كلا البلدين بالتعارف والعمل معًا.
واليوم، ومع حلول الذكرى العاشرة لهذه الشراكة، يمكن القول إن الشراكة المغربية الصينية قطعت أشواطًا مهمة، لكنها تفتح في الوقت نفسه الباب لمرحلة جديدة أكثر تركيزًا على الابتكار ونقل المعرفة والتكوين المهني. إنها شراكة تنمو بهدوء وثبات، بإرادة مشتركة تحت قيادة الملك محمد السادس و الرئيس شي جين بينغ، في إطار رؤية متبادلة تعطي الأولوية للتنمية المشتركة وتعزيز مجالات التعاون العملي. ويواصل هذا المسار رسم معالم انفتاح متوازن على العالم، قائم على تطوير الشراكات وتوسيع آفاقها بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.