شبكة أصدقاء الصين الإشتراكية/
الحوكمة الخضراء والتنمية المستدامة: الاستراتيجية المتكاملة للمغرب والرؤية التشريعية لـ”الدورتين” في الصين
الدكتورة نزهة الوفي، الوزيرة المغربية المكلفة بالتنمية المستدامة سابقا
الدكتورة حنان اتهاميك، أستاذة جامعية في الصين وباحثة متميزة لدى اللجنة الوطنية للتنمية و الإصلاح الصينية
الحكامة البيئية والتنمية المستدامة في المغرب: نحو نموذج تنموي مندمج
يواجه المجتمع الدولي اليوم تحديات متشابكة ومعقدة تعكس طبيعة المرحلة الدقيقة التي يمر بها. فالزيادة المستمرة في أسعار الطاقة والتضخم الأقتصادي، وحالة اللايقين الدولي، والآثار المتفاقمة للتغيرات المناخية، وتراجع التنوع البيولوجي، واستنزاف الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى استمرار انتشار الفقر وعدم المساواة، تمثل جميعها إشكاليات رئيسية تهدد التقدم نحو التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، كنموذج رائد في إدماج التنمية المستدامة من خلال مكسب دسترة التنمية المستدامة كحق لكل المواطنات والمواطنين؛ وكذا من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2030 التي تم إعدادها على مرجعيات واضحة دستوريا وقانونيا، والتي تعتبر ركيزة أساسية في بناء نموذج تنموي قائم على الإدماج والعدالة الاجتماعية والاستدامة ، واعتماد برامج وطنية ومحلية تجمع بين الاقتصاد الأخضر، الطاقات المتجددة، والحكامة البيئية، مع إشراك المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين في صنع القرار، فضلا على إعطاء أهمية لمشاركة المنظمات المهنية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها ومراقبتها عبر مأسسة الحوار الاجتماعي ووجود مؤسسات حكامة دستورية مستقلة لليقظة تسهر على دمقرطة الحكامة في كل أبعادها كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
سلسلة من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والتنظيمية والمالية التي تم اتخاذها خلال العشرين سنة الماضية والتي تهدف بالأساس إلى تنمية الطاقات المتجددة، والنجاعة الطاقية، والاقتصاد في المياه، وكذا التدبير المستدام للنفايات الصلبة والسائلة والبرامج الوطنية الأخرى مثل تطهير السائل ومعالجة المياه العادمة، وجودة الهواء تمثل أدوات عملية للسعي الى ترجمة الالتزام الوطني إلى واقع ملموس، فكل برنامج ليس مجرد مشروع تقني، بل كاساس لرؤية متكاملة نحو استدامة البيئة وتعزيز وعي المواطن وانخراطه في انجاحها وتحويلها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، تُسهم في خلق الثروة، وتوليد فرص الشغل، وتقليص الفوارق، وتعزيز العدالة المجالية، بما يرسخ مسارا تنمويا مستداما ويُعزز مكانة البلاد ضمن الاقتصادات الصاعدة.
ووفق هذا المنظور وبحكم ما توليه المملكة المغربية للنجاعة الطاقية وبحكم ما يتمتع به من إمكانات طاقية هائلة ومتنوعة تمكنه من لعب دور محوري في الاستثمارات وفق إطار ناظم يتمثل في تنزيل الاستراتيجية الوطنية للطاقة وعدة مشاريع مهيكلة، مكنته من رفع القدرة على مساهمة الطاقات المتجددة في توليد الطاقة الكهربائية إلى 52 ٪ في أفق 2030 وذلك من خلال عدة مشاريع مهيكلة، تهم الطاقة الشمسية، والطاقة الريحية، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة ومكافحة التغير المناخي. فالمملكة تستفيد من إشعاع شمسي قوي يصل إلى 6,5 كيلواط/م² يومياً مع حوالي 3000 ساعة شمسية سنويا، ورياح بسرعة 9,5 إلى 11 متر/ثانية على ارتفاع 40 مترا، بالإضافة إلى إمكانات كبيرة في الطاقة الحيوية تصل إلى 20 مليون ميغاواط/ساعة سنويا، وقد مكن هذا التنوع المغرب من تطوير قدرة متجددة تفوق 5 514 ميغاواط، أي أكثر من 46% من إجمالي القدرة المركبة.
ووجب التأكيد على أن الإطار القانوني المغربي المرن يقدم بيئة محفّزة للاستثمارفي الطاقات المتجددة، مع منح حق الوصول إلى الشبكة الوطنية، وإمكانية الإنتاج للاستهلاك الذاتي. كل هذه العوامل تجعل المغرب بفضل موقعه الجغرافي والجيواستراتيجي منصة استراتيجية للاستثمار الطاقي في القارة الإفريقية، مع قدرته على تصدير خبرته وتقنياته في مجال الطاقات المتجددة إلى الدول الإفريقية الأخرى، ما يمكنه من لعب دور ريادي في تعزيز الأمن الطاقي الإقليمي والاستثمار في مشاريع مشتركة عالية العائد للشركاء، وما يعزز دوره كرائد في تحقيق الأمن الطاقي المستدام في المنطقة.
وفي إطار تحسين قدرة المملكة على التكيف مع آثار تغير المناخ وبالرغم من الإكراهات الضاغطة للاثار الملموسة للتغير المناخي فقد شرع المغرب بوضع وتنفيذ المخطط الوطني للتكيف (PNA)؛ وتعزيز القدرة على التكيف بشكل ملائم مع الأولويات الوطنية والترابية ؛ وتعبئة الدعم التقني والمالي المناسب لتحقيق الأهداف المسطرة. وفي نفس السياق تم اعتماد قانون الساحل الذي يصبو إلى استصلاحه وحمايته وتثمينه. بهدف وضع الأسس الكفيلة لتحقيق التدبير المندمج لهذا المجال الهش وضمان استدامته، من خلال مأسسة اللجنة الاستراتيجية للساحل وبلورة مخطط وطني للساحل، و خارطة الطريق بهدف الاستغلال المستدام لهذا المجال.
ووجب التأكيد أن المغرب يجعل من الاقتصاد الأخضر خيارا من الخيارات المتاحة التي ستساعد على تعزيز التنمية المستدامة، وخلق فرص الشغل وجعل الاقتصاد الدائري حلا مستداما وفعالا يمكنه أن يرفع التحديات المتعلقة بالتدبير الأمثل للنفايات ولجعل النفايات موارد يجب تدويرها وتثمينها لتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية من خلال تقوية الاطار القانوني والتشاركي والانتقال الى التثمين وتنزيل البرنامج الوطني لثتمين النفايات، فمع ارتفاع معدل النمو السكاني والتوسع الحضري، فضلا عن التغيرات في أنماط العيش، فإن إنتاج النفايات المنزلية والمماثلة لها في ارتفاع مستمر، حيث تبلغ الكمية المنتجة لهذه النفايات المنزلية حاليا في المغرب حوالي8.2 مليون طن. ومع ضعف تدابير تقليص إنتاج هذه النفايات من المصدر، يمكن أن تصل كميتها المنتجة إلى11.4 مليون طن في أفق سنة 2030، وهو ما يمثل زيادة بحوالي 39%،
التحدي الحقيقي يتجلى في كسب رهان الالتقائية والتنسيق الفعال بين مختلف الشركاء، وتوحيد الجهود لتعزيز المكاسب والمنجزات التي يؤطرها مشروع مجتمعي و نموذج تنموي مستدام، تتوفر المملكة على جميع المقومات للتقدم على مسار تحقيقه بالرغم من الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية.
حماية البيئة في “الدورتين” بالصين لعام 2026: حوكمة قائمة على القانون من أجل مستقبل أكثر خضرة
في ظل تصاعد تغير المناخ عالميا، وتزايد الضغوط على الموارد البيئية، والسعي العالمي نحو التحول الأخضر منخفض الكربون، أصبحت حماية البيئة بندا محوريا في الحوكمة العالمية واستراتيجيات التنمية الوطنية. وباعتبار “الدورتين” منصة أساسية للحوكمة الوطنية والعمل التشريعي في الصين، فقد منحت دورة 2026 حماية البيئة الإيكولوجية مكانة استراتيجية أكثر بروزا، مع التركيز على تعزيز بناء الحضارة الإيكولوجية عبر التقنين والمؤسسية والمعيرة، وبناء نظام حوكمة بيئية متكامل ومنسق وفعال. وتعكس مناقشة وتطوير مجموعة من مشاريع القوانين والمقترحات السياسية خلال هذه الدورة التزام الصين طويل الأمد بالتنمية الخضراء، كما تمثل مرحلة جديدة في انتقالها من الحوكمة الواسعة إلى حماية بيئية دقيقة، قائمة على القانون ومنهجية. ومن خلال دمج القيود البيئية في التخطيط الوطني، وتحسين النظام القانوني، وتعزيز آليات التنفيذ والرقابة، وتشجيع المشاركة المجتمعية، تستكشف الصين مسارا تنمويا يوازن بين النمو الاقتصادي ورفاهية الإنسان والأمن البيئي، مقدّمة خبرات عملية ونماذج مؤسسية مهمة للحوكمة البيئية العالمية.
تتمثل القوة الدافعة الأساسية لحماية البيئة في “الدورتين” لعام 2026 في بناء وتحسين النظام القانوني، الذي يوفر ضمانا مؤسسيا متينا لاستدامة الحوكمة البيئية. ومن بين مشاريع القوانين قيد المراجعة، يبرز مشروع مدونة البيئة الإيكولوجية كأهم وأشمل ترتيب قانوني في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة. وباعتباره مدونة أساسية تلي القانون المدني، فإنه يدمج وينسق مختلف القوانين واللوائح البيئية القائمة، ويغطي مجالات رئيسية مثل الهواء والمياه والتربة والنفايات الصلبة والضوضاء والملوثات الجديدة، إضافة إلى استعادة النظم البيئية وحماية التنوع البيولوجي وتحقيق ذروة الكربون والحياد الكربوني والإنتاج الأخضر.ويحدد المشروع صلاحيات ومسؤوليات الحكومات، وينظم التزامات الشركات والمنظمات، ويؤكد حقوق الجمهور في المشاركة والرقابة، مشكّلًا نظاما قانونيا شاملًا ومتعدد المستويات وقابلًا للتطبيق. كما يتضمن أحكاما خاصة لمواجهة المخاطر البيئية المستجدة، مثل مكافحة الملوثات الجديدة، والإنذار المبكر بالمخاطر، وتقييم الأضرار البيئية والمساءلة، مع رفع كلفة الانتهاكات البيئية للحد من ضعف الرقابة سابقا. ويكرس مفهوم الحضارة الإيكولوجية في المبادئ القانونية، مع التأكيد على الإدارة المتكاملة للأنظمة البيئية، والانتقال من المعالجة اللاحقة إلى الوقاية الشاملة، ومن إدارة جزئية إلى حماية منهجية.
إلى جانب ذلك، تمت مراجعة مشروع قانون التخطيط الوطني للتنمية، الذي يدمج حماية البيئة في كامل عملية التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، محققا التكامل بين التنمية والحوكمة البيئية. إذ يفرض إجراء تقييمات الأثر البيئي وقدرة الموارد الاستيعابية منذ مرحلة إعداد الخطط، ويجعل حماية البيئة والتنمية الخضراء مؤشرات أساسية وقيودًا ملزمة. ويغير هذا الإطار النموذج التقليدي الذي يقدّم النمو الاقتصادي على البيئة، ويضمن عدم المساس بالأمن البيئي أثناء التنمية الصناعية والعمرانية. كما يعزّز التنسيق بين التخطيط الوطني والتنفيذ المحلي، ويضع نظام مساءلة طويل الأمد للقرارات التي تسبّب أضرارًا بيئية جسيمة، مما يمنع السلوكيات قصيرة الأجل. وبذلك تؤسس الصين آلية دائمة لتحقيق التوازن بين التنمية والحماية.
كما وسعت “الدورتان” مفهوم حماية البيئة من خلال ربطها بالتنمية الشاملة والتنسيق الإقليمي. فقد شددت المقترحات على ضرورة الجمع بين حماية البيئة وتحسين معيشة السكان والعدالة الاجتماعية، خاصة في المناطق الهشة بيئيا والمتعددة الأعراق. وتم التأكيد على تحسين آليات التعويض البيئي، وزيادة الدعم للمناطق ذات الوظائف البيئية المهمة، وتطوير صناعات خضراء تتناسب مع الخصائص المحلية، بما يحول المزايا البيئية إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية. ويعكس هذا النهج القائم على الإنسان فهما جديدا يجعل حماية البيئة محرّكًا للتنمية وليس عائقا لها، كما يعزز مشاركة المجتمع بأكمله في الحوكمة البيئية.
وعلى مستوى السياسات العملية، حددت “الدورتان” أهدافا واضحة لحماية البيئة، من بينها مواصلة مكافحة التلوث، وتعزيز التحول الأخضر منخفض الكربون، ورفع مستوى الحوكمة البيئية. وتم التأكيد على معالجة تلوث الهواء والمياه والتربة بشكل متكامل، وتعزيز الرقابة على مصادر التلوث الرئيسية، وتحسين جودة البيئة. كما شددت على تسريع تحقيق أهداف ذروة الكربون والحياد الكربوني، وتطوير الطاقات المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية والمائية، وتحسين كفاءة الطاقة، وتوسيع سوق الكربون. إضافة إلى ذلك، تم التأكيد على دعم الابتكار التكنولوجي في مجالات البيئة، وتعزيز البحث والتطوير في التقنيات الخضراء، وتحسين نظام الرقابة البيئية من خلال التعاون بين الجهات المختلفة.
ومن منظور عالمي، تعكس هذه السياسات والتطورات التشريعية التزام الصين كدولة نامية كبرى بمواجهة التحديات البيئية العالمية. فهي تقدّم نموذجًا عمليًا للتوفيق بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، وتوفر مرجعًا مهمًا للدول النامية لتجنّب مسار “التلوث أولًا ثم المعالجة لاحقًا”. كما تسهم جهود الصين في تعزيز التعاون الدولي في مجالات التكنولوجيا الخضراء والتحول الطاقي، ودعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.