وائل خليل ياسين ، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية ، استشاري متخصص بحوث سياسات مجاس الدولة الصيني لشؤون غرب اسيا وشمال أفريقيا .

تتسارع الأحداث في المعمورة شرقاً وغرباً وفي اتجاهات الجنوب والشمال، لتأخذ شكلاً تعقيدياً أكثر كلما تعززت الأحادية والسطوة في ادارة الملفات من جهة، ومن جهة ثانية تحاول الادارة الاحادية المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية ومن يدور في فلكها أن تعتمد تسخين الجبهات وتبريدها وخلق قضايا تدور جميعها وفق قاعدة “غب الطلب”، لمنع أي محاولة لكبح جماح القطبية الأحادية. وبالتالي يسود الظلم اللاحق بشعوب واثنيات، ويسري قانون الهيمنة والإلغاء والعقوبات الأحادية الجانب التي لا أساس لها في القانون الدولي. هذا ما يعزز الدفع نحو طرح مشروع اممي بديل عن منظمة الامم المتحدة بعدما فقدت تأثيرها وأصبحت قراراتها غير نافذة.
فلم يعد خافياً أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ومنظمات أخرى عقدوا سلسلة من الاجتماعات الطارئة مع روسيا هذا الأسبوع. كما اجرى ممثلو الولايات المتحدة وروسيا محادثات في جنيف ، وبين روسيا والناتو في بروكسل، أيضاً عقدت روسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا محادثات في فيينا، ورغم ذلك لا زالت العلاقة دون أفق للحل بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا متوترة بسبب القضية الأوكرانية.
لا شك أن ارتدادات الحرب الروسية الاوكرانية على الواقع الاوروبي كانت كارثية في الاقتصاد والاجتماع، حتى أنها استطاعت خلال هذه الفترة القصيرة أن تشظي حتى حياتهم اليومية والاجتماعية، كما أنها غيرت النمط السائد لدى المجتمع.
ومع تصاعد حدة المواجهة كشفت أن الحرب هي ثمرة بذور الصراع في شرق أوكرانيا التي زُرِعت عام 2008، خلال قمة بوخارست في تلك السنة، حيث قيّم حينها قادة الناتو طلب جورجيا وأوكرانيا بالانضمام إلى الحلف والدعم الامريكي بهذا الخصوص، مما فتح نار القلق الروسي من أن تصبح أوكرانيا ودول أخرى في شرق أوروبا قادرة على تحديد مصير المنطقة وتهديد استقرارها، وفي الوقت عينه تكون قادرة على الانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وتهديد الامن الروسي في المنطقة، وبالتالي زعزعة المصالح الروسية.
هكذا اتسعت مروحة الاتهامات فيما بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة منذ فترة طويلة، ووصلت الى حد اتهام روسيا باحتمال “غزوها” لأوكرانيا في الفترات السابقة، فأعتبر الروسي أن أمنه مهدد فعلياً بسبب توسع الناتو شرقاً، ما جعله محاصراً بفكرة إنضمام أوكرانيا إلى الناتو حيث انه بالتالي تصبح الصواريخ الأمريكية المنتشرة في كييف تصل إلى موسكو في غضون خمس دقائق.
لم يتوقع الغرب انعكاس الحرب الروسية الاوكرانية عليهم مباشرة بهذا الحجم الاقتصادي الكارثي، ما جعل دول اوروبية أمام خيار من إثنان اما الاستسلام للامريكي، او الخروج من تحت عبائته لأن تعمل على ترميم الأمن الاوروبي بما يخدم المصالح الاوروبية مع كافة القوى الدولية. هكذا بدأت دول رئيسية في اوروبا كألمانيا وفرنسا تستشعران الخطر الداهم الى اوروبا من تمادي العجز والاستسلام، واعتمادهما اسلوب التراجع خطوتين لإعادة التموضع وأخذ مسافة القوي. بعدما انعكس الشعور بالعجز والاستسلام مباشرة على وضعهم الأمني والاقتصادي وهدد اتفاقيات التعاون في أوروبا. وهذا ما يضعنا أمام العديد من السيناريوهات والتباين في ملفات والاختلاف في اخرى.
من هنا بدأت وجوه التغيّرات غير المسبوقة تكشف وضوحها بعد أكثر من مئة سنة حيث كانت التغييرات فيها تدريجياً في المراحل الانتقالية، فدخل العالم كله في أتون الاضطرابات والتحولات في وقت لا زالت انعكاسات جائحة كورونا تفرض بنفسها وتنعكس سلباً على الاقتصاد العالمي، لتزيد طينة كورونا بلة الأزمة الأوكرانية، وارتداداتها على اقتصاد عالمي ليزداد هشاشة وإنهاكاً بالحروب والكوارث، وتتعاقب التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية. فتضرّ بنظام الأمن الدولي بشكل خطير. ويظهر الواقع بشكل كامل أن المواجهات والإضطرابات المختلفة في العالم اليوم تعود غالباً إلى عدم الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وبالتالي يهدد الحالة الوجودية لها كمنظمة أممية.
وبالعودة الى المشهد الميداني العام، بدى أن الحرب الروسية الاوكرانية بعد انقضاء أكثر من خمسة أشهر على اندلاعها تحوّلت الى حرب “استنزاف”، والتأخر في حسم النتيجة يغرق الروس في الوحل الاوكراني الداخلي والعودة الى حرب العصابات ما يطيح بكل ما انجزته روسيا خلال هذه الحرب. الا أن أوروبا لا تريد ل”القيصر” الروسي أن يخرج منتصراً من تلك الحرب، كما لا تريده أن يطيل أمدها حتى لا يصبح الرهان على تحقيق أهداف وانتصارات تسجلها الضربات والعمليات العسكرية في المدن الأوكرانية، حتى لا يذهب بنشوة الانتصار لأن يستحكم في شؤونهم ومصالحهم مع الغرب، خلافاً لمصلحة الصين التي تريد ان تتوقف الحرب رحمة بالشعبين، لذلك تحاول الصين أن تلعب دور المحايد الايجابي اتجاه روسيا. عكس الأمريكي الذي يريد استمرار الحرب لما يؤدي الى استنزاف الطاقات لدى الروس والاوروبيين لاضعافهم ويحاول إقحام الصين في دائرة اكاذيبه أن بكين هي من تؤجج الصراع بدعم روسيا وذلك بهدف حشد تأييد اوروبي له في مواجهة الصين بشرق اسيا وبهدف احتواءها، علماً أن الموقف الصيني منذ بداية الحرب الاوكرانية الروسية كان واضحاً بالدعوة لاحترام سيادة الدول ودعوة الطرفين للتفاوض ومناقشة سبل الشواغل الامنية الروسية.
وفي هذا المضمار تستثمر الصين في تمتين العلاقات سياسياً واقتصادياً، الأمر الذي يدفع بالدول الاوروبية الى التعاون مع الصين وتبني طريق الحل السلمي وكبح جنوح الازمات الى الحروب ما يساهم في تعزيز خيار الرهان على الاستثمار في السلم وليس على الحروب كما عودتهم الادارة الامريكية.
لذلك فان الصين لا ترى أن “القوة والحرب والعقوبات هم السبيل الأساسي لحل النزاعات، انما تجد الحوار والتشاور هما الوسيلة الأنجح وذا فعالية لحل الخلافات”. وانطلاقاً من مفاهيمها هذه تؤكد أن حل الأزمة الاوكرانية الراهنة تحتاج الى تفاهمات والى تنازلات من أجل السلام، بإعتبارها أن هذه المواقف مهمة، والأهم تخفيف الاحتقان والتجييش لأنه بمثابة صب الزيت على النار وتصعيد التوترات، فالمطلوب اليوم وبإلحاح التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة جميع الدول وضمان سلامة أراضيها.
فيبدأ الانطلاق بالاتجاه الصحيح بتعزيز محادثات السلام وحل النزاعات سلمياً، والتمسك بمبدأ الأمن غير القابل للتجزئة ومراعاة الشواغل الأمنية المعقولة لأصحاب الشأن.
فبالنسبة للقضية الأوكرانية، لا تسعى الصين لتحقيق مصالح جيوسياسية، ولن تراقب الحدث من مسافة آمنة، ولن تجلس مكتوفة الأيدي، أو تضيف الوقود إلى النار. إن الهدف الوحيد الذي تتوقعه الصين هو تحقيق السلام في أوكرانيا.
أما في الشرق الأوسط، ظل الأمن والتنمية هما المعضلتان على مدار فترة زمنية طويلة، فتحاول بكين الاستثمار في هذا الشرق الذي يقوم فوق صفيح ساخن، بتغليبها مبدأ السلام على الحروب، فكانت مبادرتها ذات النقاط الخمس بشأن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. والنقطة الرابعة الحل السياسي للمسألة السورية، وأما النقطة الثالثة تنفيذ «حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل»، اما الثانية، التي تهدف الى العمل بجد للتخلص من تدخل القوى الكبرى، والمضي قدماً بروح الاستقلال والاعتماد على الذات، واستكشاف مسار التنمية للخروج من شرنقة الريعية.
كل المعطيات والاحداث تأخذنا الى استنتاج أن الطريق ما زال طويلاً لاحلال السلام وتعزيز التنمية في الشرق الأوسط.
لهذا كان للقضية الفلسطينية حيز مهم وواسع لدى الصيني، والذي لا يخفي أن التوترات الأمنية الأخيرة في غزة وما قبلها ما هي الا جولة جديدة من التصعيد الاسرائيلي الامريكي تجاه القضية الفلسطينية التي تعتبر أكبر مظلمة تاريخية، والمطلوب من المجتمع الدولي والامم المتحدة الاعتراف بحق هذا الشعب المظلوم وتصحيح المسار في أسرع وقت ممكن.
فإن أردنا التدقيق بموقف “بكين” أو حتى بالخيار، نجدها دائماً تبدي استعدادها للتعاون مع جميع الدول والشعوب المحبة للسلام والموجهة نحو التنمية، ما يجعلها من أقرب الانظمة للبشرية، ومن هذا المنطلق فتحت ولازالت ابواب الصداقة والتعاون مع الدول العربية كافة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لحماية التعددية، والدفاع عن الإنصاف والعدالة، ومعارضة الهيمنة والأحادية، ودعم الجهود كافة التي تسهم في إيجاد حلول سلمية للأزمات، واستكمالاً لرؤيتها في أهمية النهضة التنموية تعمل في مشروعها العصري «الحزام والطريق» وفق سياسة السلام، لهذا يتم التحضير للقمة الصينية – العربية، من هنا لن تتأخر الصين في خلق قواسم فرص تنموية مع دول المنطقة، بما يرسخ أسس السلام والأمن وبناء مجتمع ومستقبل مشترك صيني- عربي في العصر الجديد.
واستتباعاً فالوضع الامريكي لم يعد أفضل في الوطن العربي، بل تعمقت “الهوة” خاصة مع الدول الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، فترجمت المشهدية العامة لزيارة الرئيس الاميركي جو بايدن الى السعودية خاصة، بمشهد الزيارة الباهتة فلم يسجل فيها أي إنجاز على قدر مستوى الاهتمام، حتى أن الامريكي صاغ بيانه بكثير من التزلف ولأول مرة غلب عليه طابع العمومية والعجلة.
لا سيما أن التعاطي الامريكي الأخير مع ملف القضية الفلسطينية، ووضعه في براد التسويات، فاقم الازمة واتسعت تشققات زعزعة الثقة بين الدول العربية والإدارة الأميركية، وبدى واضحاً الموقف العربي الجاف منذ ما قبل الحرب الروسية الأوكراينة بإعتبار أن أولوياتها تبدلت، وفي هذه الأجواء كان “الفتور” هو الغالب في استقبال سيد البيت الأبيض. ربما ما نراه اليوم من الموقف العربي جاء متأخراً، انما خير له من أن لا يأتي أبدا، فكان نتيجة فعلية لشعوره أن السياسة التي كانت سائدة أعطت الأحادية القطبية أداة كانت أقرب الى الابتزاز من التسويات بغياب الوزن العربي، حيث أن الولايات المتحدة الاميركية اعتادت أن تنصب نفسها على أنها “شرطي العالم ” وأن تتعامل مع البلدان الأخرى على أنها وصية عليها كما أن القيادة الاميركية مازالت تعيش حالة الانفصام عن الواقع والمنطق ونكران حقيقة ما وصل اليه العالم مؤخراً.
من هذه الغطرسة يتجه العالم حاليا للانتقال من الأحادية الى عالم متعدد الأقطاب يحفظ لكل شعب حقه ودوره وفق امكانياته، على اساس استراتيجية التنمية والتشارك والتعاون السلمي وفق سياسة الربح المشترك، اضافة الى السعي لإحلال السلام والإستقرار بهدف ايجاد الأرضية الخصبة للتنمية والتعاون لبناء مجتمع افضل مشترك للبشرية جمعاء وهذه الاستراتيجية تتبناه الصين والعديد من الدول وخاصة العربية.
اما الولايات المتحدة وحلفائها فهي مستمرة بالسعي للحفاظ على استراتيجية الاحادية الاميركية والمفهوم الاستعماري عبر سياسة الاحتواء ومبدأ الهيمنة وبسط النفوذ، اذ تعمد على اثارة الفتن والنزاعات العرقية والدينية ودعم القوى الانفصالية بهدف احتواء الدول وتعطيل نهضتها ونشر حالة عدم الاستقرار، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة عبر تدخلاتها في تايوان وفي الشرقين الاوسط والادنى واثارتها لملفات بطريقة ابتزازية تحت مسميات “حقوق الانسان” كملف قضية الخاشقجي، وملفات أخرى.
اما زيارة رئيسة مجلس النواب الاميركي نانسي بيلوسي لجزيرة تايوان الصينية فما هي الا اداة من أدوات هذه الاستراتيجية التحريضية، وكأنهم لازالوا يعيشون في عصر الاستعمار ويمارسون دبلوماسية السفن المسلحة التي سادت منذ أكثر من مئة وعشرون عاما مضت.
المطلوب اليوم حث الولايات المتحدة ان تستفيق من سباتها وتعلم ان العالم اليوم لم يعد العالم الذي يمكن فيه للقوى الإمبريالية أن تستعرض قوتها وتقرر مصير الشعوب كما تشاء، فيخطئ من يظن ان الصين والدول العربية اليوم هي نفسها تلك القديمة التي تعرضت للانتهاك والتدخل ولابتزاز القوى الاستعمارية.
فالتعاون الصيني العربي يمكّن كلا الطرفين من مواجهة سياسة الاحتواء، ويخرجهما من “دائرة الإملاءات”، ويفرض قواعد جديدة لادارة الملفات الدولية المبنية على التعديدية وبالتالي اصلاح وتحديث الية عمل مجلس الامن الدولي والامم المتحدة.
وكثيراً ما كانت امريكا تستخدم الدول العربية كساحات مواجهة لتنفيذ اجندتها في مواجهة القوى التي تعتبرها خطرا على احاديتها وهيمنتها ما أدى الى استنزاف الطاقات العربية ومنع نهضتها بالاضافة الى منع توحيد صفوفها مع القوى الاخرى اهمها روسيا والصين.
ومع بروز القيادات العربية الشابة وفي مقدمتها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي رسم خارطة طريق ترتكز على دراسات ومشاريع تنموية من شأنها النهوض بالمجتمع العربي كشعوب، وتعزز القدرات الاقتصادية والعسكرية بهدف الخروج من دائرة الابتزاز الاميركي وكسر الهيمنة للوصول الى استقلالية القرار وفتح الأبواب والتعاون مع جميع القوى وبتوازن، منها الولايات المتحدة والصين وروسيا واوروبا. وفي هذا الواقع المتخبط وانشغال العالم بالعديد من الجبهات أصبح لزاماً على الدول العربية الخروج من دائرة الابتزاز الاميركي ورفضهم أن يكونوا اداة في مواجهة روسيا والصين، وذلك يكون برفض الانخراط بالاحلاف العسكرية والتجمعات السياسية واتخاذ مسافة واحدة من الجميع ما يمكّنهم من احداث توازن كبير وعميق ومهم في مجال السياسة الخارجية والتعاون والتبادل، بحيث تعمل هذه الدول على ضمان أن لا يتصاعد النزاع المسلح بين روسيا والغرب في اوكرانيا الى نزاع دولي مدمر او تصاعد التنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة إلى صراع عسكري مدمر آخر، ويعتبر بناء قدرات دول الخليج وتعزيز القدرات الدبلوماسية من أجل التنسيق الرفيع المستوى للتنمية والاستثمار والسياسة التجارية أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق هذا الهدف.
وتعد االشراكة الصيني – الروسية استراتيجية اساسية وتوافقهما هو “توافق الضرورة”، وما تمليه الحاجة إلى خلق نظرة جديدة إلى العالم من أجل فهم مصالح كل دولة في ظل خلفية العولمة، وبهدف تحقيق السلام في العالم مستقبلاً. إذ تمكّنت روسيا من إنجاح إستراتيجية النهوض بعد عشر سنوات من المعاناة بحثًا عن هوية جديدة في غياب أيديولوجية الاتحاد السوفياتي المنحلّ، وانهيار ركائزه الاقتصادية وهياكله السياسية.
فجرى تأطير هذا التوافق بمعاهدة الصداقة الصينية -الروسية واصدار بيانهما المشترك حول العلاقات الدولية والتنمية المستدامة العالمية، وفق أهداف وآليات لتحقيقها كما جاءت الشركات المكملة مع الدول الأخرى كمنظمة “شنغهاي” ومجموعة دول “البريكس” لترسّخ الارتباط الوثيق بين روسيا والصين، ولإعطاء هذا التوافف قيمة مضافة بانضمام قوى ضخمة ذات حيوية لتحقيق الأهداف نفسها.
ويمكن تلخيص هذه الأهداف المشتركة كما يأتي:
– السعي لكبح جماح سيطرة الدولار الأميركي ودوره كعملة عالمية في التجارة الدولية.
– خلق توازن في الاقتصاد العالمي متحرّر من تجاذبات البورصات الدولية والمضاربة على المقوّمات الأساسية لاقتصاد بعض الدول من مواد أولية وخدمات مختلفة.
– خلق مؤسسات رديفة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي المسيطر عليهما من قبل الغرب تعنى بالتنمية المستدامة في دول العالم الثالث، وتحمي مصالح الدول الصاعدة ونموّها عبر استقرار سعر الصرف بين عملاتها.
– حماية قيمة الأصول المحلية من المخاطر الخارجية التي يسبّبها النظام المالي العالمي الخاضع لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية.
– مواجهة أخطار الإرهاب والتطرّف الديني والعرقي.
– إصلاح بنية مجلس الأمن الدولي وإعطاؤه حصرية معالجة النزاعات المسلّحة في العالم ورفض تفرّد الأحلاف العسكرية بالتصرّف من خارج قراراته وآلياته المعتمدة.
وحيث أن الدولتين (روسيا والصين) هما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، ويملكان حق النقض في القرارات الدولية، فقد مارستا هذا الحق في الأزمة السورية الداخلية. بالاضافة الى استخدام نفوذهما للتخفيف من وطأة العقوبات الاقتصادية الاحادية الجانب المفروضة من الولايات المتحدة على الدول، جاء ذلك على قاعدة احترام سيادة الدول ورفض التدخل الخارجي في الشأن الداخلي لأي دولة وليس دعما لطرف ما في مواجهة الآخر.
بعد الإخفاقات الأميركية، السياسية والعسكرية، بدءاً من أفغانستان مروراً بالعراق وصولاً الى سوريا ولبنان، وبعد الأزمة الاقتصادية العالمية وركود السوق التجاري في الولايات المتحدة وأوروبا وفشلهم في مواجهة “جائحة كورونا وتداعياتها” التي كشفت مدى حالة الضعف في المنظومتين الامريكية والاوروبية.
حيث ان العالم بعد جائحة فيروس كورونا ليس كما قبلها ولم يعد تنصيف الدول العظمى بالقوة العسكرية بل بقدرة الدولة على مواجهة الكوارث وبتماسك جبهتها داخلياً هذا ما يضع الجميع امام ضرورة اعادة تقييم من هو بالمرتبة الاولى ومن هي الدولة الأقدر. لذلك بدأ الجميع يفتّش عن بدائل ووسائل جديدة لقيادة العالم بطريقة أكثر استقرارًا وأمنًا، وأقل تفرّدًا وهيمنة أحادية، فوجدت بعض الدول الكبرى أنه يجب مشاركة الولايات المتحدة قيادة العالم وقيامه على ركائز صلبة ليصبح أكثر توازنًا واستقرارًا.
حيث انه مثلاً عند تسلّم اليمين المحافظ الحكم في الولايات المتحدة استسهل استعمال القوة العسكرية من دون ان يستشرق النتائج والتداعيات لاحتوائها، على أساس أن تفعيل “الفوضى الخلاقة” من شأنه تصحيح الأخطاء التاريخية، وذلك وفق مفاهيم مزاجية وإستنسابية تتعلّق بالخير والشر، وفي إطار من “الغموض الإيجابي” للمناورة في هامش عريض من دون رقيب أو حسيب. لقد أعطت الولايات المتحدة لنفسها امتياز الاستعلاء والاستكبار في التعامل مع بقية الدول على أساس أنها القطب الأوحد المؤثّر في العالم.
لذلك أقدمت الدول الكبرى، وتلك الصاعدة بقوة في المجال الاقتصادي على شركات استراتيجية لمواجهة الهيمنة الأميركية، واستئثارها بالنظام المالي العالمي.
ومع بدء وصول دونالد ترامب الى البيت الأبيض وضع خطته على أنه أكثر الرؤوساء في الحزب الجمهوري يميناً متشدداً، وبالتالي تبدلت الأولويات فأصبحت الصين هي الهدف الرئيسي لكونها تعتبر الأقوى اقتصادياً وتعتبرها امريكا منافساً قوياً بانتهاج الصين رؤية النمو الاقتصادي البطيء الثابت لتدخل السوق التجاري العالمي دون منازع، لذلك بدأت الادارة الأمريكية بإعتماد سياسة إحتواء الصين، فوجهت كل ادواتها لمواجهتها. وتبدلت الاهتمامات والاهداف من الشرق الاوسط الى الشرق الادنى لتلعب بذات الخطة التي اعتمدتها في الاوسط الا وهي “الفوضى الخلاقة”، وبعدها حاولت ادارة ترامب بإستغلال جائحة كورونا عبر توجيه أصابع الاتهام للصينيين واختلاق الأكاذيب مما تزايدت الأمور تفاقماً وتعقيداً بين الدولتين. ولكن سرعان ما تكشفت الحقائق، وأعطت الصين دروساً بماهية القوة من خلال التماسك الداخلي والقدرة على مواجهة الكوارث بنظامين سياسي متوازي وحكيم، ونظام علمي مواكب لكل التطورات العلمية والتكنولوجية، وبعد فشل ترامب في استخدام الجائحة كأداة للابتزاز وجر العالم لحرب باردة مدمرة، اتت ادارة بايدن وارثة ارثاً ثقيلاً من المشاكل الخارجية والداخلية، فبدت ادارة بايدن متخبطة وغير قادرة على معالجة القضايا الداخلية، وغياب الرؤية في معالجة القصايا الخارجية اقليميا ودولياً مما جعلها تراوح في دوامة خطة ترامب.
ان ما وصل اليه العالم اليوم نتيجة للسياسات الاميركية المتعاقبة يجعل الجميع وفي مقدمتهم حلفائها وخاصة الاوروبيين تحت الضغط نتيجة الاستنزاف المستمر في الاقتصاد، ما قد يدفع باتجاه تغيير في المواقف الاوروبية ووقف الاندفاع نحو التصعيد والضغوط والعودة الى حالة الاستقرار السياسي وعدم الانجرار في ما تخطط له الولايات المتحدة الاميركية، وهذا يعني في المحصلة النهائية ان سلوك الدبلوماسية الصينية سيضمن العودة السريعة لجميع الاطراف الى الالتزام بالتوازنات الدولية والسعي لاستبدال مفهوم الحرب الباردة بمفهوم التعاون والتشارك لبناء مستقبل افضل مشترك للبشرية جمعاء.