شبكة أصدقاء الصين الإشتراكية/
من إعداد شهاب كريكش
عندما نتحدث عن التواصل الثقافي والتعاون الحضاري بين المغرب والصين، فإننا لا نتحدث فقط عن تاريخ طويل من العلاقات، أو عن التبادل الاقتصادي والثقافي، وإنما نتحدث أيضاً عن رؤى مشتركة حول مستقبل الإنسان ومستقبل كوكبنا.
وقد اخترت اليوم أن أتوقف عند أحد أبرز مجالات هذا التواصل الحضاري، وهو البيئة والحضارة الإيكولوجية، وما تمثلانه من رؤية تقوم على حماية الطبيعة وتحقيق تنمية مستدامة، بما يخدم الإنسان ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة.
لقد أتيحت لي فرصة زيارة الصين عدة مرات، وفي كل زيارة كنت ألاحظ شيئاً لفت انتباهي: تطور المدن، واتساع المساحات الخضراء، وانتشار الحدائق والفضاءات العامة، وتحسن جودة الهواء.
وبالنسبة لي، فإن هذه التحولات لا تتعلق بالبيئة وحدها، بل ترتبط أيضاً بجودة حياة الإنسان وحقه في العيش في بيئة سليمة.
وخلال زيارتي إلى نينغشيا سنة 2023، اكتشفت جانباً آخر من هذه التجربة. ففي مناطق كانت تواجه تحديات كبيرة بسبب التصحر والجفاف، رأيت كيف يمكن للتشجير واستصلاح الأراضي أن يتحولا إلى مشروع طويل الأمد لحماية البيئة وتحسين حياة السكان.
هذه التجربة جعلتني أتأمل مفهوم الحضارة الإيكولوجية في فكر شي جين بينغ، وكيف يمكن تحقيق التنمية مع الحفاظ على البيئة.
فالحضارة الإيكولوجية لا تعني فقط مكافحة التلوث أو زراعة الأشجار، وإنما تعني إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبناء علاقة تقوم على التعايش المتناغم بينهما.
ومن هذا المنظور، فإن الاقتصاد، والمدينة، والطاقة، والصناعة، والزراعة، واستخدام المياه والموارد الطبيعية، كلها يجب أن تُبنى مع مراعاة حماية البيئة واستمرار الموارد للأجيال القادمة.
ومن أهم الأفكار التي ارتبطت بفكر شي جين بينغ حول الحضارة الإيكولوجية مقولته:
«المياه الصافية والجبال الخضراء هي جبال من ذهب وفضة».
والمعنى هنا عميق: حماية البيئة ليست بالضرورة عائقاً أمام التنمية، بل يمكن أن تكون مصدراً للتنمية والاقتصاد وفرص العمل وتحسين جودة حياة المواطنين.
وهذا يعني الانتقال من نموذج يقول: ننمي الاقتصاد ثم نعالج التلوث، إلى نموذج يضع حماية البيئة والموارد في صميم عملية التنمية منذ البداية.
وقد تجسد هذا التوجه في الصين في مجالات متعددة. ففي مجال الابتكار الأخضر، تجاوز عدد طلبات براءات الاختراع الصينية المنشورة في التقنيات الخضراء والمنخفضة الكربون 674 ألف طلب خلال الفترة 2016–2024. وفي نهاية عام 2025، تجاوزت القدرة المركبة للطاقة المتجددة 2.34 مليار كيلوواط، بما يقارب 60% من إجمالي القدرة الكهربائية في الصين.
ومن القصص التي أثرت فيّ كثيراً قصة التشجير في منغوليا الداخلية، وقصة الأمريكي رونالد سوكولسكي، الذي تأثر بمجهود السيدة الصينية يين يوتشن في مكافحة التصحر، وقرر دعم مشروعها.
هذه القصة البسيطة تحمل رسالة كبيرة: البيئة لا تعرف الحدود، وحماية الطبيعة مسؤولية يمكن أن تجمع بين الشعوب والثقافات.
وهنا أرى تقاطعاً مهماً مع الرؤية الملكية لجلالة الملك محمد السادس، التي تضع التنمية المستدامة وحماية الموارد الطبيعية والانتقال نحو اقتصاد أكثر اخضراراً ضمن مسار التنمية في المملكة.
فحماية الماء تعني حماية الاقتصاد والمجتمع، والطاقة النظيفة تعني أيضاً فرصاً للاستثمار والعمل، وحماية الغابات والأراضي تعني حماية مستقبل الأجيال القادمة.
والمغرب نفسه راكم تجربة مهمة في هذا المجال، من خلال تطوير الطاقة الشمسية والريحية، وتعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة، والانتقال اليوم أيضاً إلى مجالات جديدة مثل صناعة البطاريات، ومكونات السيارات الكهربائية، وتخزين الطاقة.
وهذه المشاريع لا تعني فقط إنتاج الطاقة النظيفة، وإنما تفتح المجال أمام صناعة جديدة، واستثمارات جديدة، وفرص عمل، ونقل التكنولوجيا، وربط المغرب بسلاسل القيمة العالمية للاقتصاد الأخضر.
ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة للتعاون المغربي الصيني.
فالصين تمتلك خبرة واسعة في الطاقات المتجددة، والبطاريات، وتخزين الطاقة، والتكنولوجيا الخضراء، والصناعة المرتبطة بالانتقال الطاقي.
وفي المقابل، يمتلك المغرب إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، وموقعاً استراتيجياً، وتجربة صناعية متنامية، وخاصة في قطاع السيارات والبطاريات.
والجمع بين هذه الخبرات والإمكانات يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجالات التكنولوجيا الخضراء، وتخزين الطاقة، والبطاريات، والطاقة المتجددة، والتكوين ونقل الخبرات.
ولا تقتصر أهمية هذا التعاون على المغرب وحده.
فإفريقيا تواجه تحديات كبيرة في الطاقة والمياه والتصحر والتغير المناخي، ويمكن للتعاون المغربي الصيني أن يساهم في نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير مشاريع في مجالات الطاقة النظيفة، ومكافحة التصحر، وتدبير المياه، والتنمية المستدامة.
وهنا يمكن للمغرب أن يؤدي دوراً مهماً، بحكم موقعه الإفريقي، وتجربته في الطاقات المتجددة، وعلاقاته المتنامية مع الصين والدول الإفريقية.
وفي النهاية، فإن ما رأيته خلال زياراتي للصين، وخاصة في نينغشيا، جعلني أرى أن الحضارة الإيكولوجية ليست مجرد مفهوم نظري.
إنها تعني أن الشجرة التي نزرعها اليوم هي استثمار في المستقبل، وأن الهواء النظيف هو حق للإنسان، وأن الماء مورد يجب أن نحافظ عليه، وأن التنمية الحقيقية هي التي تترك للأجيال القادمة اقتصاداً قوياً وبيئة سليمة في الوقت نفسه.
وهنا يلتقي مفهوم الحضارة الإيكولوجية في التجربة الصينية مع الاهتمام المغربي بالتنمية المستدامة، ويفتح التعاون بين البلدين مجالاً لبناء شراكات جديدة لا تخدم المغرب والصين فقط، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى إفريقيا.
لأن مستقبلنا لا يحتاج فقط إلى مزيد من التنمية، وإنما يحتاج إلى تنمية تحترم الطبيعة وتحافظ على حق الأجيال القادمة في مستقبل أفضل.
وهذا، في رأيي، هو أحد أجمل أوجه التواصل الحضاري بين المغرب والصين.