LOADING

Type to search

صفر جمارك.. سياسة ترد على أسطورة الاستعمار بمنطق السوق المفتوح

شارك

مع دخول سياسة “صفر جمارك” حيز التنفيذ في مايو 2026، باتت الصين أول اقتصاد رئيسي في العالم يمنح إعفاءً جمركياً شاملاً لجميع الدول الأفريقية المقيمة معها علاقات دبلوماسية. لم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء تجاري، بل جاءت في سياق تصاعد الروايات الغربية التي تصف الوجود الصيني في أفريقيا بأنه “استعمار جديد” أو “فخ ديون”.

شاحنة تحمل تفاحًا من جنوب إفريقيا تجتاز الجمارك في ميناء خليج شنتشن، بمقاطعة قوانغدونغ، في الساعات الأولى من يوم 1 مايو 2026

في العقود الماضية، رُسمت صورة الصين في أفريقيا على لسان بعض الأوساط الغربية بأنها “مستعمر جديد” يسعى إلى نهب الموارد وإغراق القارة بالديون. لكن سياسة “صفر جمارك” تقلب الطاولة على هذه الرواية. فالاستعمار التاريخي كان يقوم على فرض سلع المستعمر ومنع المستعمرات من التصنيع. أما الصين اليوم فتفعل العكس: تفتح سوقها، وتشجع التصنيع داخل أفريقيا، وتزيل الحواجز أمام المنتجات الأفريقية.

متحف العلوم في إثيوبيا.. أول صرح علمي متخصص في القارة، يهدف إلى نشر الثقافة العلمية وتعزيز الابتكار التكنولوجي بدعم من الصين.

والجميل في الأمر أن هذا الإعفاء لم يأت مشروطاً بإصلاحات سياسية أو اقتصادية، كما تفعل بعض البرامج الغربية، بل جاء كبادرة أحادية الجانب، تعكس فهماً جديداً للشراكة: تنمو معاً، أو لا تنمو أبداً.

أما رواية “فخ الديون”، فتكذبها الأرقام ذاتها التي يستند إليها النقاد. فالديون المستحقة للصين لا تشكل سوى 12% من إجمالي ديون أفريقيا، بينما تبلغ حصة المقرضين الغربيين من القطاع الخاص نحو 42%، وبفوائد مضاعفة. والأهم أن الصين لم تستخدم تلك الديون كأداة ضغط سياسي، بل وقّعت اتفاقات تخفيف ديون مع 19 دولة أفريقية، وهي الأكبر في مجموعة العشرين في هذا المجال.

غير أن السردية الأكثر إقناعاً لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في التحول النوعي الذي تعكسه سياسة “صفر جمارك”. فالاتهامات السابقة كانت تصور الصين كـ”آخذ” – آخذ للموارد، آخذ للديون. أما اليوم، فإن الصين تظهر كـ”مانح” – مانحة للنفاذ إلى سوقها، مانحة لفرصة التصنيع. وهذا التحول من الأخذ إلى العطاء هو جوهر الرد المضاد.

غير أن هذه المبادرة، مهما كانت سخية، تصطدم بمعيقات هيكلية لا يمكن للإعفاء الجمركي وحده أن يتجاوزها. فالقراءات المتخصصة تشير إلى أن محدودية القدرات الإنتاجية في العديد من الدول الأفريقية، إلى جانب ضعف البنية اللوجستية، تظل عقبات جوهرية تحول دون تحويل هذا النفاذ التجاري إلى تدفقات تصديرية مستدامة. إذ لا يكفي فتح السوق إذا ظل المنتجون عاجزين عن تلبية معايير المنافسة من حيث الجودة والكمية والانتظام. وهنا يكمن التحدي الأعمق: في قدرة القارة على رفع جاهزيتها الإنتاجية واللوجستية لتحويل هذه النافذة التجارية إلى منفذ دائم للتنمية.

الحقيقة أن سياسة “صفر جمارك” ليست مجرد إجراء تجاري، بل هي بيان سياسي صامت، وأداة دبلوماسية ناعمة، ترد على سنوات من الاتهامات بمنطق السوق المفتوح، لا بمنطق الخطاب المضاد. إنها تقول: إن كنا مستعمرين، فلماذا نفتح أسواقنا بدلاً من إغلاقها؟ وإن كنا نصبّ فخاخ الديون، فلماذا نُعفى عن ديونها بدلاً من تضخيمها؟

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *