LOADING

Type to search

منطق القوة أم مجتمع المصير المشترك؟ قراءة في الرؤية الصينية للعالم.

شارك

هل نحن على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟ سؤال بات يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية، ليس كخيال علمي، بل كاحتمال ملموس يلوح في الأفق. الحرب في أوكرانيا تتحول إلى مستنقع دموي، والمواجهات الأمريكية-الإيرانية تشعل الشرق الأوسط، والتهديد النووي يعود إلى الواجهة كما في أحلك أيام الحرب الباردة. في هذا المناخ المشحون بالتوتر، يبحث العالم عن مخرج، عن قوة قادرة على كسر حلقة العنف، عن رؤية تنتشل البشرية من فخ التدمير الذاتي. وهنا تبرز الصين، الدولة التي رغم إمكاناتها الهائلة، وتعدادها البشري الأكبر، ومواردها الوفيرة، لم تخض حرباً منذ عقود، بل تقدم رؤيتها الطموحة لبناء مجتمع عالمي ذو مستقبل مشترك؛ وهي الرؤية التي تستند إلى ما ورد في الكتاب الأبيض الصادر عن مجلس الدولة الصيني في 26 سبتمبر 2023، والذي يُعد المرجع الأساسي لهذه القراءة التحليلية.

طُرح مفهوم «مجتمع المستقبل المشترك للبشرية» لأول مرة عام 2013، ثم جرى إثراؤه في خطاب الرئيس شي جين بينغ أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2015، قبل أن يتوسع نطاقه في خطاب مكتب الأمم المتحدة بجنيف عام 2017.

ولا تقتصر هذه الرؤية على مفهوم “مجتمع المصير المشترك للبشرية” وحده، بل تستند إلى منظومة متكاملة من المبادرات العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ، وهي: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية ،ومبادرة الحوكمة العالمية . وتمثل هذه المبادرات الأبعاد العملية للرؤية الصينية، إذ تتناول بصورة متكاملة قضايا التنمية والأمن والتبادل الحضاري والحوكمة الدولية، بما يهدف إلى بناء نظام عالمي أكثر استقرارًا وتوازنًا يقوم على التعاون والمنفعة المتبادلة.ما يميز هذا الطرح الصيني أنه لا يكتفي بنقد الهيمنة الأمريكية أو الغربية، بل يذهب أبعد من ذلك. إنه يحاول تقديم بديل كامل، ليس مجرد رد فعل، بل مشروع فكري متكامل. وهذا ما يجعله مختلفاً عن أي طرح سياسي سابق.

لا يكتفي الكتاب الابيض بنقد الهيمنة، بل يكشف عن زيف الافتراض القائل بأن أي قوة صاعدة تسعى حتماً إلى الهيمنة. هذا الطرح يحمل نقداً ضمنياً للنظريات الغربية في العلاقات الدولية، ويقدم قراءة مختلفة للتاريخ السياسي.

التأكيد على أن “بناء مجتمع المصير المشترك لا يعني استبدال نظام أو حضارة بأخرى” يعكس نضجاً سياسياً نادراً. فبدلاً من فرض نموذج واحد، تتبنى الرؤية فكرة التعايش بين الأنظمة المختلفة، وهو ما يتناقض مع النزعة العالمية الغربية التي طالما  سعت إلى تعميم نموذجها .

المبادرة الأمنية العالمية التي تطرحها الصين تتجاوز المفهوم الضيق للأمن العسكري، لتشمل الأمن الغذائي والصحي  والإلكتروني والبيئي. هذا التوسع في مفهوم الأمن يعكس فهماً معاصراً للتحديات التي تواجه البشرية.

ما يميز الرؤية الصينية عن غيرها من النظريات الطوباوية أنها تقدم أدلة عملية على إمكانية التحقق. مبادرة الحزام والطريق ليست مجرد شعار، بل مشروع تنموي ضخم غيّّر واقع الملايين. ميناء بيرايوس في اليونان، وخط سكة حديد الصين-لاوس، وتقنية جونكاو في أفريقيا وأسهمت في انتشال 7.6 مليون شخص من الفقر المدقع، كلها أمثلة على كيفية تحويل الأفكار إلى واقع ملموس.

ميناء بيرايوس في اليونان

الأهم من ذلك، أن الصين نجحت في وساطة تاريخية بين السعودية وإيران، مما أثبت أن الدبلوماسية الصينية ليست مجرد خطابات نظرية، بل قدرة عملية على صنع السلام. هذا الإنجاز يختلف جوهرياً عن الدبلوماسية الغربية التي غالباً ما تستخدم القوة كأداة أولى وأخيرة.

وفي خضم الفوضى الدولية الراهنة، حيث تعود سيناريوهات الحرب الباردة والصراعات الإقليمية إلى الواجهة، تبرز محاولات بعض القوى استخدام تايوان كورقة لكبح النهضة الصينية، كأقرب نموذج معاصر لسياسات النصب والهيمنة التي تمزق النسيج الدولي. فهذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتكشف عن استمرار عقلية المحصلة الصفرية التي تغذي التوترات العالمية، وتقوض أسس التعاون المشترك بين الدول .

ومن هذا المنطلق، فإن حماية الصين لوحدة أراضيها ليست نزعة قومية ضيقة، بل هي مقاومة عملية للتدخل الخارجي،وصيانة لحق الدول في تقرير مصيرها بعيداً عن إملاءات القوى الكبرى. إنها دفاع عن مبدأ المساواة في السيادة، الذي يشكل الأساس الأخلاقي لأي نظام دولي عادل قائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وهنا يجب التأكيد بوضوح: أن الموقف الصيني من تايوان ليس عدوانياً أو توسعياً، بل هو إجراء دفاعي بحت يهدف إلى الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، ومنع أي محاولة لزعزعة الاستقرار الإقليمي. فالصين لم تبدأ أي نزاع، ولم تسع إلى فرض إرادتها على أي طرف، بل التزمت دوماً بسياسة التوحيد السلمي، ولم تلجأ إلى القوة إلا رداً على الاستفزازات والتدخلات التي تهدد  سيادتها الوطنية.

كما أن هذا الموقف لا يتعارض مع رؤية “مجتمع المصير المشترك” بأي شكل من الأشكال، بل هو تجسيد عملي لها على المستوى الوطني. فكيف يمكن لدولة أن تدعو إلى السلام والتعاون الدولي، بينما تتُرك سيادتها عرضة للانتهاك؟ وكيف يمكن بناء مستقبل مشترك للبشرية، إذا كانت الوحدة الوطنية نفسها مهددة بالانقسام؟ الصين، من خلال تمسكها بالسيادة والتوحيد السلمي، تقدم نموذجاً عملياً على كيفية تحقيق الاستقرار الداخلي كشرط أساسي للمشاركة الفاعلة في بناء نظام دولي عادل ومستدام. وهذا الجهد هو امتداد طبيعي لالتزامها بالسلام، وليس انحرافا ً عنه .

هذا الوعي العميق ليس وليد اللحظة أو مجرد موقف سياسي ظرفي، بل هو متأصل في أعماق الثقافة الصينية ويمتد جذوره إلى آلاف السنين من الحكمة الفلسفية. فالثقافة الصينية، منذ زمن كونفوشيوس ومينسيوس، كانت تنبذ التوسع العسكري وتؤمن بأن القوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة على الآخرين، بل في القدرة على الحفاظ على الذات والتنمية من خلال الجهد الذاتي والانسجام الداخلي. إن فكرة “الوسطية” و”الانسجام” و”لا تفعل للآخرين ما لا ترضى لنفسك” ليست مجرد قيم أخلاقية، بل كانت الأساس الذي قامت عليه الإمبراطوريات الصينية في أوج ازدهارها .هذا التقليد الثقافي امتد إلى العصر الحديث ليشكل جزءاً من الوعي الجماعي الصيني، مما يجعل رفض الهيمنة ليس مجرد خيار استراتيجي، بل انعكاساً لهوية ثقافية تمتد عبر الزمن. في زمن تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ والموارد، يظل هذا الإرث الثقافي الصيني يشكل بوصلة توجه السياسة الخارجية، مؤكداً أن النهضة الحقيقية لا تقاس بمساحة الأرض المحتلة، بل بقدرة الأمة على الإبداع والتنمية الذاتية والتعاون المربح للجميع.

رابط الكتاب الابيض http://www.scio.gov.cn/zfbps/zfbps_2279/202309/t20230926_771260.html

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *