LOADING

Type to search

عقد من الشراكة الاستراتيجية… المغرب والصين يرسمان ملامح مستقبل مشترك

شارك

في أمسية تاريخية احتضنتها العاصمة المغربية، احتفل المغرب والصين بمرور عشر سنوات على إرساء الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في مناسبة عكست عمق العلاقات الثنائية التي لم تولد اليوم، بل تمتد جذورها إلى قرون طويلة من التواصل الحضاري والاحترام المتبادل بين حضارتين عريقتين ساهمتا في تشكيل جزء مهم من تاريخ الإنسانية.

تعود أولى صفحات هذا التقارب إلى القرن الرابع عشر، حين وصل الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة إلى الأراضي الصينية خلال رحلته الشهيرة، في واحدة من أقدم الشواهد التاريخية على التواصل المباشر بين المغرب والصين، فاتحًا بذلك صفحة مبكرة من التبادل الحضاري بين العالمين العربي والآسيوي.

وفي العصر الحديث، برز المغرب كأحد الداعمين الأوائل لحق جمهورية الصين الشعبية في الاعتراف بالمقعد الشرعي داخل المنظمة الأممية. ففي سنة 1960، دافع الملك الحسن الثاني، حين كان وليًا للعهد ورئيسًا للوفد المغربي لدى الأمم المتحدة، عن هذا الموقف التاريخي، قبل أن يجسد المغرب التزامه الدبلوماسي سنة 1971 بالتصويت لصالح القرار الأممي 2758، الذي أعاد لجمهورية الصين الشعبية مقعدها الشرعي داخل الأمم المتحدة.

وشهدت العلاقات الثنائية نقطة تحول استراتيجية في شهر ماي سنة 2016، عندما قام الملك محمد السادس بزيارة رسمية إلى العاصمة الصينية بكين بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث توجت هذه الزيارة التاريخية بإعلان إرساء شراكة استراتيجية شاملة تقوم على الاحترام المتبادل، والمساواة، والمنفعة المشتركة، لتفتح بذلك مرحلة جديدة أكثر طموحًا في مسار العلاقات المغربية الصينية.

واليوم، وبعد عقد كامل من هذه الشراكة، تحولت العلاقات المغربية الصينية إلى نموذج ناجح للتعاون الدولي القائم على الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة للمستقبل، حيث أثمرت تعاونًا متسارعًا في مجالات الاستثمار، والصناعة، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحديثة، والتعليم، والصحة، والتبادل الثقافي.

وفي هذا السياق، احتضن قصر المؤتمرات أبي رقراق يوم 30 يونيو حفلًا رسميًا لإحياء الذكرى العاشرة للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في مناسبة جسدت متانة العلاقات الثنائية والتقدير المتبادل بين الشعبين الصديقين.

وأكدت سفيرة جمهورية الصين الشعبية بالمغرب يو جينسونغ أن كلمة “الشريك” تختزل جوهر العلاقات المغربية الصينية، باعتبارها علاقات تقوم على الثقة السياسية المتبادلة، والدعم المشترك، والتكامل الاقتصادي، والتقارب الحضاري والثقافي بين الشعبين.

كما شددت السفيرة الصينية على أن الكلمة الثانية التي تعبر عن مستقبل هذه العلاقات هي “الإمكانيات”، مؤكدة أن الشراكة بين البلدين تزخر بفرص واعدة في مختلف المجالات، مع استعداد بكين لتعزيز التعاون العملي مع المغرب والارتقاء بالعلاقات الثنائية نحو مستوى أعلى خلال ما وصفته بـ”العقد الذهبي الجديد”.

وتؤكد المؤشرات الاقتصادية نجاح هذه الشراكة المتنامية، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال سنة 2025 حاجز عشرة مليارات دولار، لتصبح الصين ثالث شريك تجاري للمغرب وأول شريك اقتصادي له في قارة آسيا.

وفي خطوة رمزية تعكس عمق هذه الصداقة التاريخية، أعلن بريد المغرب وسفارة الصين بالمغرب إصدار طابع بريدي تذكاري خاص بهذه المناسبة، يجسد معلمين تاريخيين بارزين مصنفين ضمن التراث العالمي لـ اليونسكو، وهما أسوار مدينة مراكش التاريخية وسور الصين العظيم، في رسالة تؤكد القيم المشتركة بين البلدين والمتمثلة في صون التراث، والصمود، والانفتاح الحضاري.

إن ما يجمع المغرب والصين اليوم ليس مجرد تعاون اقتصادي أو شراكة دبلوماسية عابرة، بل رؤية مشتركة لمستقبل يقوم على الثقة، والتكامل، والازدهار المشترك.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *